واحد من أكثر الناس غموضًا وإثارة في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي، وأوائل القرن الرابع عشر الهجري، جمال الدين الأفغاني، صاحب الشخصية الغامضة الكثيرة التنقل، ومفجر الثورات أينما حل في بلد من بلدان المسلمين، ولد في شعبان سنة 1254هـ ـ أكتوبر 1838م، ولكن لا يعلم على وجه التحديد هل ولد في إيران أم في أفغانستان؟ وهل هو سني أم شيعي جعفري؟ والصواب بعد الناظر في الأدلة والحوادث وسير حياة الأفغاني نفسه، أنه قد وُلد في آسد آباد بالقرب من همدان بإيران، وكان اسم أبيه «صفدر» وهي كنية إيرانية معناها مفرق الأعداء، يكاد يكون استخدامها وتداولها قاصرًا على شيعة إيران.
اشتغل الأفغاني منذ سن الثامنة عشرة بالحل والترحال من بلد لآخر، فانتقل من إيران إلى أفغانستان وبها انتسب إلى أهلها، ثم انتقل إلى الأستانة ثم الحجاز حيث حج وهو في التاسعة عشرة، ثم عاد لأفغانستان وظل بها، وقد حاول أن يستفيد من حالة الفوضى الداخلية ولكن الأمر انتهى بطرده من منصبه الحكومي وذهب إلى الأستانة، ثم انتقل إلى مصر والتحق بالأزهر الشريف لتدريس المواد الفلسفية، وبها دخل في معارك شديدة مع مشايخ الأزهر وعلمائه بسبب أفكاره الثورية، فانتقل إلى إيران ومكث فيها ست سنوات ولقي هناك حفاوة بالغة من شاه إيران ناصر الدين القاجاري، ثم اختلف معه وعاد إلى مصر واتهمه الإنجليز بالعمل على الثورة ونفوه إلى الهند ونفوا تلميذه النجيب محمد عبده إلى لندن ثم بيروت.
ومن الهند انتقل إلى الأستانة ومكث فيها فترة والتقى مع السلطان عبد الحميد الثاني الذي أدرك خطورة أفكاره، رغم تظاهر الأفغاني بمبدأ الجامعة الإسلامية، إلا إن السلطان عبد الحميد قد أمر بطرده من الأستانة، فتوجه إلى لندن ومنها إلى فرنسا ومنها إلى روسيا والنمسا ثم غيرها، فطرد منها ثم توجه إلى لندن، وكان كلما دخل بلدًا أثار بين مثقفي ومفكري هذا البلد ضجة وثورة وطرح أفكاره التجديدية المنحرفة التي أثرت في فكر وعقلية الشباب الصاعد، وكثير منهم أصبح بعد ذلك فريسة للأفكار المستوردة والتغريبية.
والذي يقرأ مؤلفات الأفغاني ورسائله المتبادلة مع تلاميذه وأتباعه يرى فيها عقيدة وحدة الوجود وكثيرًا من طرق وعبارات الصوفية الباطنية، كما كان الأفغاني أول من أدخل الجمعيات السرية في مصر، والتحق بالمحافل الماسونية التي جاءت مع الاحتلال الفرنسي لمصر، وكان عضوًا في المحفل الماسوني الإسكتلندي ثم اختلف معهم فتركه وانضم للمحفل الفرنسي، وكان رياض باشا رئيس الوزراء وصنيعة الإنجليز المعروف قد استقدمه إلى مصر وتولى رعايته وأجرى عليه راتبًا شهريًا وأعد له سكنًا بحارة اليهود، فأنشأ الأفغاني الحزب الوطني الحر، وجمعية مصر الفتاة وأغلب أعضائها من شبان اليهود، وهذه التنظيمات السرية التي كونها الأفغاني تتشابه لحد كبير في نشاطها مع دعاة الباطنية، خاصة الفاطميين، والقرامطة، واتهم كثير من المؤرخين الأفغاني بالتآمر على اغتيال شاه إيران ناصر شاه سنة 1314هـ، والتخطيط لمحاولة اغتيال الخديوي إسماعيل.
ومما زاد في غموض الأفغاني علاقاته المريبة مع مستر بلنت الإنجليزي، وهو أول من دعا لفكرة الخلافة العربية، ولماذا كان معظم أتباعه من اليهود والنصارى والمريبين مثل «ميرزا باقر» وهو إيراني تنصر وصار داعية للنصرانية ثم عاد للإسلام وعمل مع الأفغاني؟ ولماذا كان أخلص أصدقائه نصرانيًا وهو «جورجي كونجي» والآخر هارون اليهودي طبيبه الخاص، والأسئلة عنه كثيرة، وقد انخدع فيه بعض المعاصرين فوصفه بالإمامة والتجديد والإصلاح، ولكنه كان موصوفًا بالتلون والتشيع وبث الثورة والأفكار الماسونية في كل مكان والله أعلم بالعواقب، وقد مات بعد معاناة مع المرض في 5 شوال سنة 1314هـ ـ 10 مارس 1897م.



